سلمى
فكرية ثقافية فلسفية سياسية
استراتيجيات عربية

من يسد الفراغ الحضاري الذي تركه العرب زمن الصدمة؟

 
                                                   زهير الخويلدي


التصريحات الذي أطلقتها القيادة الإيرانية حول استعدادها لملء الفراغ الأمني الذي سيتركه الأمريكيون عندما ينسحبون من العراق أثار حفيظة العديد من الكتاب والمحللين العرب المتخوفين من التوسع الإيراني وطرح العديد من الاستفهامات والأسئلة في الدوائر الغربية الساعية إلى الفوز ببعض الاستثمارات والمصالح المادية في المجال الحيوي الذي يخضع لسلطان حكام طهران. غير أن المحرج في هذه التصريحات بالنسبة للفكر الحاذق هو أنها تأتي في غير سياقها وأعلن فيها ما لا يقبله أي مثقف عربي وهو نية دولة تتبني الشريعة الإسلامية وفق نظرة إمامية السيطرة علي دولة أخري مثخنة بالجراح وتبذل كل ما بوسعها من مال ورجال وعتاد من اجل أن ترد عن نفسها الغزو الخارجي الذي تعرضت له من قبل التحالف الغربي والذي لم يبق منها غير الدمار والخراب، هذه التصريحات غير حضارية وغير أخلاقية ولم يحترم فيها التاريخ المشترك للدولتين والروابط الروحية المتقاربة للشعبين وعبرت عن انفعالات وعواطف غير إنسانية تنم عن شماتة وضغينة وفرح بما حل بأرض الرافدين من تقتيل وتخريب من طرف المستعمرين البربريين أو من قبل الأخوة الأعداء المنتصرين للمذهب والعرق والطائفة علي حساب الوطن والقومية والحضارة.
والمؤسف أن تستعمل القيادة الإيرانية حالة العراق المحزنة كورقة سياسية للعب مع الأمريكيين وان تتاجر بالقضية العراقية في سوق الدبلوماسية دون ادني احترام للأرواح البريئة التي أزهقت ودون تفكير في الضرر الكبير الذي حصل للموروث الثقافي المشترك، بل أنها حولت ساحة العراق إلي فرصة للابتزاز والمناورة ولإرسال الرسائل إلي الدول الغربية حول إمكانية تعاونها ووضع نفسها في خدمتهم بشرط غض الطرف عن المشروع النووي وتقاسم الغنائم النفطية مناصفة.
مثل هذا الوضع يعبر عن ضياع أنظمة العرب الشمولية في العالم وإضاعتها لشعوبها معها والابتعاد بها عن روح التقدم وخسرانها الشعور بالكرامة والسيادة ويترجم كذلك حالة الانقسام والتفرقة والتجزئة التي تسود في حضارة اقرأ، فبعض الدول العربية المعدلة والمطبعة تسير جهرا في فلك أعدائها من الأمريكان والصهاينة احتماء من الخطر الفارسي وبعض الدول والأحزاب التي تدعي الممانعة والمقاومة تدور سرا في فلك النظام الإيراني وتعتبر ذلك حرصا علي سيادة الأمة وحفظا لعرضها من الخطر الأمريكي الصهيوني، والفريق الثالث يضع قدما هنا وقدما هناك ويتحالف سرا وعلنا مع المعسكرين ويبرر ذلك بان قنوات الاتصال والتشاور بين إيران من جهة وأمريكا وإسرائيل من جهة أخري لم تنقطع أبدا وان الجميع متفقون علي نفس الهدف وهو الإجهاز علي ما تبقي من الرقعة الجغرافية الممتدة من المحيط الأطلسي إلي الخليج الفارسي والاستحواذ علي خيراتها وتدجين شعوبها لتتخلي عن ثقافة الاستعلاء ولتكف عن التباهي والتفاخر بالماضي التليد، بقي فريق رابع مقاوم لم يفقد البوصلة ويتخذ من العروبة موطنا والإسلام منهجا والإنسانية التقدمية قبلة وهو قليل العدد ويتكون من بعض المثقفين والنشطاء الشرفاء وهم يرفضون المشروعين الإمبراطوريين معا: المشروع الإمبراطوري الأمريكي والذي يمثل الكيان الصهيوني وبعض العائلات العربية المالكة واجهته الأمامية والمشروع الكسروي الفارسي الإيراني والذي تمثل بعض الميلشيات المرتزقة والأحزاب الدينية اليمينية اذرعه العربية.
انه يحق لإيران أن تملك السلاح النووي من اجل الاستخدام السلمي مثلها مثل أي دولة أخري ولا يجوز لأي قوة عالمية أخري أن تمنعها من ذلك وهناك عدة أسباب تدفعها إلي مواصلة برنامجها النووي السلمي وهي أن البرنامج بدأه الشاه تحت تشجيع أمريكي لمواجهة المد الشيوعي وبالتالي ليس وليد الثورة، ثم هو قوة ردع كبيرة ومفخرة قومية يطالب بالمضي فيها قدما حتي المعارضين في الخارج زيادة علي انه مسالة حيوية من اجل الردع خصوصا وان الكيان الإسرائيلي يمتلك أكثر من مائتي قنبلة نووية وينظر إلي النظام الإيراني كنظام معاد.
إيران في مرمي حجر من جحيم يوم القيامة الإمبراطوري وطبول الحرب بدأت تدق والعلامات علي ذلك كثيرة من بينها إجراء المناورات العسكرية الضخمة وتحريك الأساطيل الكبيرة نحو المنطقة وتصنيف الحرس الثوري كمنظمة إرهابية والاعتماد علي ساركوزي كداعية فرنسي يمرر ويسوق السياسة الخارجية الأمريكية إضافة إلي التصريحات الأمريكية والإسرائيلية بان النظام الإيراني يهدد امن المنطقة وإبداء بعض الدول العربية موافقتها علي شن عدوان حربي علي نظام الملالي.
كما انه من حق القيادة الإيرانية أن تدافع عن بلدها وان تلتجئ إلي أسلوب التهديد والتخويف وان تحشد الرأي العام الداخلي الشعبي لخدمة أجندتها الخارجية ومن حق بعض التنظيمات العربية التي تتلقي الدعم من هذا النظام المالي والإيديولوجي والإعلامي أن تعتز بتحالفها معه، ولكن يجب أن يعلم هذا النظام أن مساندة الشعوب العربية له أصبحت محدودة نتيجة الانقسام المذهبي بين الشيعة والسنة وموالاته لطرف علي حساب آخر ثم إن صورته في الشارع العربي قد اهتزت يوم إعدام صدام حسين في عيد الاضحي وخاصة عندما رحب كل أركان النظام السياسي والديني بهذا الإعدام واعتبروه جزاء إلهيا لفعل بشري خاطئ وخضعوا بالتالي لمشاعر الانتقام والتشفي.
في هذه الأجواء المتعفنة ليس من الحكمة في شيء أن يقوم رئيس دولة كبري بإعلان نيته احتلال دولة أخري هي بدورها ما زالت تحت نير الاحتلال لأنه بهذا الإعلان يحرمها من فرصة التنعم بالاستقلال ولو لبضعة أيام فهو يريد أن يكون محتلا جديدا يخلف المحتل القديم ولأنه كان من الواجب أن يعلن عن نيته مساعدة العراقيين من اجل أن يستعيدوا حريتهم وكرامتهم التي افتك الأمريكيون وداسوا عليها بالإقدام، زد علي ذلك أن المنطق يقول إن الأمن في العراق لا يقدر أن يرسيه احد سوي العراقيين أنفسهم وعند رحيل كل المحتلين والغرباء المفسدين، بل إن جيشا أمريكيا جرارا لم يقدر علي ضبط الأمن في هذه المنطقة فكيف سيتمكن نجاد هذا الرئيس مهزوز الشعبية في بلده أن يوفر الأمن في شعب معظم أفراده يكنون له مشاعر غير مؤيدة.
نجاد مطالب أن يتسول العطايا السياسية بعيدا عن عتبات بابل والبصرة والموصل وبغداد لان استعداده لخدمة أمريكا في العراق لن يحميه من ضربة عسكرية اتخذ قرارها منذ مدة وانتهي الأمر وبالتالي كان عليه أن يستميل العواطف العربية ويسترضيها وان يتحالف مع عقولها وأياديها حتي يتقي شر عولمة ملتهبة.
بعض المبادرات قد تغير الموقف مثل دعوة الأمين العام للجامعة العربية للحوار علي مستوي عال بين الدول العربية وإيران بخصوص مستقبل العراق بعد شروع القوات البريطانية في الانسحاب من الجنوب الغني بالنفط وخاصة من البصرة تلك المدينة التاريخية العريقة، أضف إلي ذلك الدعوة التي توجهت بها إيران نفسها إلي إبرام اتفاق شراكة بين بلدان الخليج من اجل التجارة الحرة وهو ما يعزز مجالات التعاون بين المعسكرين وبداية رئيس الحكومة العراقية المالكي في سلسلة من التغييرات في وزارة الداخلية من اجل تقليم أظافر رجال المليشيات، وتحدثه لأول مرة عن سيادة العراق وضرورة صيانة استقلالية أرضه وتمتع شعبه بالكرامة في رده علي بعض تصريحات أعضاء الكونغرس. لكن هذه مجرد دردشات لا قيمة لها في المعادلة لان المشروع الأمريكي ماض في غزوه وتنكيله والمشروع الفارسي ما زال متربصا بالأمة العربية يستعمل ورقة نشر التشيع كمطية للهيمنة علي الفضاء السني.
من هذا المنطلق ينبغي أن يتخلي الإيرانيون عن احتلالهم لبعض الجزر العربية في الإمارات ويكفوا عن ملاحقة الشعب العربي بالأهواز وان يعطوه الحكم الذاتي ويردوا له حقوقه المدنية ويسقطوا حلم تصدير الثورة من حسابهم لان الثورة تحولت إلي دولة وافترست أبناءها وفشلت فشلا ذريعا وما عادت هناك أفكار نموذجية معد للتصدير إلي العالم، ونموذج ولاية الفقيه ليس بديلا ديمقراطيا للحكم والعرب بدورهم مدعوون إلي التوقف عن نعت الإيرانيين بالصفويين الكسرويين لان كلمة صفوي ليست مذهبا بل متأتية من صفاء القلب والنقاء الروحي اللذين يصل إليهما الصفوة من الناس.
بيت القصيد أن الفراغ الذي يعاني منه العرب في زمن الصدمة ليس فراغا امنيا بل فراغا حضاريا لا يقبل القياس والتقدير ويظهر في فوضي المفاهيم والعمي الفكري وسيطرة نزعة المحاكاة للغرب وتقليد التراث وتوقف باب الاجتهاد وعودة المكبوت وتكاثر الملل والنحل وغياب الرموز والزعامات البطولية واندثار طبقة العلماء والفلاسفة الوارثين الشرعيين لمؤسسة النبوة، وإذا كان الفراغ الأمني يمكن معالجته ببعض المرتزقة من عناصر الشركات التي تعمل علي توفير الأمن أو عبر أجهزة البوليس والجيش المتكاثرة في الوطن العربي والمعدة لقمع الناس والمحافظة علي الكراسي والعروش فان الفراغ الحضاري لا يمكن ملؤه ولو جندنا جيوشا جرارة ما دام العقل مستقيلا عن الإبداع وما دامت القراءة معطلة في امة اقرأ وما دام المثقفون يتعيشون من موائد السلاطين وبعيدين كليا عن جانب الناس ويجهلون جذريا المشاكل التي يعانونها والتحديات التي تواجهها أوطانهم.
صفوة القول أن الأمن الحقيقي بالنسبة للأنظمة العربية لا يتحقق بامتلاك السلاح المتطور والاعتناء بالجيوش فقط ولا بالموالاة للغرب أو لإيران بل في تحقيق المصالحة مع شعوبها وبدمقرطة الحياة السياسية ومنح الفرصة الكافية للمجتمع المدني من اجل النمو والتطور والعمل علي بلورة وهيكلة الأمن

 

 الحضاري بما هو المنظومة الدفاعية الأساسية القادرة علي حماية حضارة اقرأ من الاندثار، فمتي يولد جيش الكتاب والمثقفين الذين يجعلون من تحقيق الأمن الحضاري العربي شغلهم الشاغل؟ ألا ينبغي أن يتواري الضباط الأحرار عن الأنظار ويلتف الناس حول آراء الكتاب الأحرار؟ أليس من مصلحة إيران أن تفكر في إرضاء العرب وعدم معاداتهم وتعمل علي توفير شروط الأمن الحضاري عوض أن تعرض خدمات توفير الأمن العسكري للبيع للدول الغربية؟

 

نشر في القدس العربي

18/09/2007

 

 

أضافها belkis73 في الفلسفة السياسية, ملف خاص بالفلسفة تتعلق بالكونية والخصوصية والعولمة @ 09:39 ص
خبّر عن هذا المقال: KhabberDel.ici.ousDiggRedditY! MyWebGoogle Bookmarks
(0) comments


أضف تعليقا



أضف تعليقا

<<الصفحة الرئيسية