

الفلسفة في قرن جديد·
1 من 2
بمناسبة العيد المئوي لتأسيس الجمعية الفلسفية الأمريكية نشرت Journal of Philosophical Research،دراسات أعدها فلاسفة مبرزون تقترح التوجهات والتحديات التي تنتظر الفلسفة في أمريكا. من بين تلك الدراسات ما كتبه جون سيرل، أحد الفلاسفة الأمريكيين الذين ذاع صيتهم على جانبي المحيط. درس سيرل الفلسفة في اكسفورد، حيث وصل إلى هناك في مطلع الخمسينيات، ثم درّس فيها بضع سنين قبل عودته إلى الولايات المتحدة، حيث ظل إلى يومنا هذا يدرّس في جامعة كاليفورنيا ببركلي. "أفعال الكلام" الذي نشر عام 1969، وكتابه "إعادة اكتشاف العقل" الذي طبع عام 1992، من أشهر كتبه. هذه إذن شهادة فيلسوف مبرز على عصر من الفلسفة (القرن العشرين) تستشرف ما يأمل أن يكون عليه مآلها في المستقبل القريب (القرن الحادي والعشرين).
ملخص
نمو المعرفة مفاد الحقيقة الفكرية المحورية التي تميز الحقبة المعاصرة. إن نمو المعرفة هذا يحدث بالفعل تغييرا في الفلسفة، حيث يمكّنها من إنجاز نوع جديد من الفلسفة. بالتخلي عن المحاباة الابستمولوجية في هذا المجال، يمكن لمثل هذه الفلسفة تجاوز كل ما سبق لفلسفة النصف الأول من القرن تصوره. إنها لا تبدأ بالارتيابية بل بما نعرفه عن العالم الواقعي؛ من حقائق على شاكلة ما تقره النظرية الذرية في المادة والنظرية التطورية في البيولوجيا، فضلا عن حقائق "الفهم المشترك" من القبيل الذي يقر أننا كائنات واعية، وأن لدينا أصلا أوضاعا ذهنية قصدية، وأننا نشكل جماعات اجتماعية ونخلق حقائق مؤسساتية. إن مثل هذه الفلسفة تعد نظرية، شاملة، منتظمة، وكلية من حيث موضوعها.
غالبا ما ينتج التأمل العام في وضع الفلسفة ومستقبلها مقاربات سطحية تمعن في إطلاق العنان للأهواء. من منحى آخر، فإن ورقة عشوائية في التقويم السنوي، تشير إلى بداية قرن جديد، لا تبدو كافية. على ذلك، سوف أغامر بقول أشياء عن الوضع الراهن والمستقبلي للفلسفة، رغم أنني أعتقد أنها سوف تكون مغامرة خطرة. لقد طرأت تحولات شاملة مهمة في الفلسفة إبان حياتي، وبودي نقاش مغزاها والإمكانات التي تثيرها نسبة إلى مستقبل هذا المجال.
I. الفلسفة والمعرفة
مفاد الحقيقة المحورية التي تميز الحقبة الراهنة هو نمو المعرفة. إن المعرفة تتنامى وتتراكم كل يوم، فنحن نعرف أكثر مما عرف أجدادنا، وسوف يعرف أبناؤنا أكثر مما عرفنا.
لدينا رصيد هائل من المعرفة يتسم بأنه يقيني، وموضوعي، وشامل، بمعنى سوف أوضحه بعد قليل. الحال أن نمو المعرفة هذا يحدث تحولا حقيقيا في الفلسفة.
تأسس العصر الحديث في الفلسفة، الذي استهله ديكارت، وبيكون، وآخرون في القرن السابع عشر، على مقدمة عفا عليها الزمن، مفادها أن وجود المعرفة أصلا يشكل موضع شك، ومن ثم فإن مهمة الفلسفة الأساسية إنما تكمن في التغلب على مشكلة الارتيابية، وقد تعينت هذه المهمة عند ديكارت في تأمين أساس مكين للمعرفة. وفق منظور مماثل، اعتبر لوك كتابه Essays بحثا في طبيعة المعرفة البشرية ومداها. لاغرو إذن أن اعتبر أولئك الفلاسفة في القرن السابع عشر الابستمولوجيا العنصر الرئيس في مشروعهم الفلسفي، فبينما كانوا في خضم ثورة علمية، بدا إمكان المعرفة الموضوعية الكلية إشكاليا. لم يكن واضحا كيف يمكن إثبات معتقداتهم المختلفة بيقينية مطلقة، بل لم يتضح لهم حتى كيفية إثبات اتساق تلك المعتقدات. وعلى وجه الخصوص، كان هناك تعارض مقلق وغامر بين الإيمان الديني والاكتشافات العلمية الجديدة، ما أفضى إلى ثلاثة قرون ونصف تبوأت فيها الابستمولوجيا قطب رحى الفلسفة.
خلال معظم تلك الحقبة، استبين أن المفارقات الارتيابية كامنة في صميم المشروع الفلسفي. ما كان لنا فيما بدا آنذاك أن نواصل البحث الفلسفي، أو حتى البحث العلمي، ما لم يكن في وسعنا الرد على المرتابين. لهذا السبب أصبحت الابستمولوجيا أساس أي تخصص فلسفي مهما بدت أسئلته الابستمولوجية هامشية. مثال ذلك، كان السؤال الرئيس في علم الأخلاق هو "هل بالمقدور وضع أساس موضوعي لمعتقداتنا الأخلاقية؟". حتى في فلسفة اللغة، اعتقد كثير من الفلاسفة، كما ظل بعض منهم يعتقد، أن الأسئلة الابستمولوجية مركزية. لقد حسبوا أن السؤال "كيف نعرف ما يعنيه شخص آخر حين يقول أي شيء؟" السؤال المحوري في فلسفة اللغة.
أعتقد أن عهد الابستمولوجيا الارتيابية قد ولّى. بسبب نمو معرفة يقينية، وموضوعية، وكلية، لم يعد إمكان المعرفة مسألة مركزية في الفلسفة. في الوقت الراهن، يستحيل علينا سيكولوجيا أن نحمل مشروع ديكارت محمل الجد على النحو الذي فعل، إذ لدينا من المعارف ما يحول دون ذلك. هذا لا يعني أنه لا مجال للمفارقات الابستمولوجية التقليدية، بل يعني فحسب أنها لم تعد كامنة في صميم موضوع الفلسفة. إنني اعتبر الأسئلة "أنى لي أن أعرف أنني لست دماغا في راقود، أو أنني لا أتعرض لتضليل شيطان ماكر، أو أحلم، أو أهلوس، الخ؟"، أو وفق تعبير هيومي خاص، "كيف أعرف أنني ذات الشخص اليوم الذي كنته بالأمس؟"، "كيف أعرف أن الشمس سوف تشرق غدا؟"، "كيف أعرف أنه هناك بالفعل أشياء من قبيل العلاقات السببية في العالم؟" ـ أقول إنني أعتبر مثل هذه الأسئلة شبيهة بمفارقات زينون المتعلقة بحقيقية المكان والزمان. تظل المفارقة التي تتساءل كيف يتسنى لي أن أعبر الغرفة إذا كان يتوجب علي أن أعبر بداية نصفها، وقبل ذلك، نصف نصفها، وقبل ذلك نصف هذا النصف الأخير، وهكذا، مفارقة مثيرة. يبدو أنه يتوجب علي طي عدد لا يتناهى من الأمكنة قبل أن يتسنى لي أن أبدا أصلا، ولذا يظهر أن الحركة مستحيلة. هذه مفارقة مثيرة، وقيام الفلاسفة بحلها تمرين بارع، غير أنه ليس هناك من يشك بجدية في وجود المكان أو في إمكان عبور الغرفة بسبب مفارقات زينون. وعلى نحو مناظر، بودي أن أقول إنه لا يتوجب على أحد الشك في وجود المعرفة بسبب المفارقات الابستمولوجية. هذه تمارين بارعة للفلاسفة، لكنها لا تتحدى وجود معرفة موضوعية، كلية، ويقينية.
ألحظ أنه لا تزال هناك أبحاث تزدهر في الارتيابية التقليدية، بيد أنني أقترح أنه يستحيل على الأشكال التقليدية للارتيابية أن تحوز المعنى الذي حازت عند ديكارت وأخلافه، فالرصيد المعرفي المتراكم أعظم من أن يسمح بأخذ الحجج التي حاولت إثبات استحالة المعرفة مأخذ الجد.
ثمة توضيح لزام علي أن أقوم به. حين أقول إن الفلسفة لم تعد تدور حول الابستمولوجيا فإنني أعني أن مفارقات الابستمولوجيا الاحترافية، المفارقات الارتيابية، لم تعد محورية في المشروع الفلسفي. غير أن هناك، فضلا عن الابستمولوجيا بهذا المعنى الاحترافي التخصصي، ما يمكن ما وصفه بابستمولوجيا "الحياة الواقعية". كيف تعرف أن المزاعم التي تطلقها صادقة حقيقة؟ أي نوع من الشواهد، الدعم، الحجج، والتحقق بمقدورك تأمينه للمزاعم المختلفة التي تصدرها؟ تظل ابستمولوجيا الحياة الواقعية على سابق عهدها، بل إنها لم تفقد أهميتها؛ ففي مواجهة مزاعم الحياة الواقعية المتنافسة المتعلقة مثلا بأسباب الأيدز وعلاجه، أو المرتبطة بالسياسة النقدية والمالية التي تناسب تدبر أمور الاقتصاد، لا يقل إصرارنا على إجراء عمليات الاختبار والتقصي المناسبة أهمية عن أي وقت مضى. عندي، زمن الارتيابية الفلسفية التقليدية ولى إلى غير رجعة، لكن هذا لا يعني أنه يتوجب علينا التخلي عن المعايير العقلانية الخاصة بتقويم صحة ما نطلق من مزاعم. على العكس تماما.
قلت لتوي إن لدينا رصيدا هائلا من المعرفة يتسم بأنه يقيني، موضوعي، وكلي. إنني أؤكد هذه السمات الثلاث لأنها تتعرض خصوصا لتحدي صيغة معاصرة من الارتيابية المتشددة تسمى أحيانا "ما بعد الحداثة"، بفروعها الثانوية (مثال، "التفكيكية"، "ما بعد البنيوية"، وحتى بعض صيغ البراجماتية). وفق هذا التحدي الارتيابي، ما يجعلنا نقول بإمكان الاستحواذ على معرفة يقينية، موضوعية، وكلية، خطأ في أفضل الأحوال ، وفي أسوئها نزوة استبدادية. من منظور هذه الرؤية، لا يحصل البشر إطلاقا على مثل هذه المعرفة. هذا ما يفترض أنه تم إثباته عبر أبحاث بعينها في العلم، من قبيل تلك التي أجراها تومس كون وبول فيرابند، والتي تؤكد العناصر اللاعقلانية في تطور النظريات العلمية. وفق هذه الرؤية، لا يظفر العلماء بالحقيقة، بل يندفعون بطريقة لاعقلانية من بارادايم إلى أخرى. فضلا عن ذلك، فيما تروي الحكاية، يستحيل تحقيق الموضوعية، لأن كل زعم بالمعرفة منظوري، ينطلق من وجهة نظر ذاتية. وأخيرا، يستحيل تحقيق مطلب الكلية، لأن كل العلوم تنتج في ظروف محلية تاريخية، وعرضة لكل القيود التي تفرضها مثل هذه الظروف. أعتقد أن كل هذه التحديات باطلة، وبودي أن أوجز علة اعتقادي هذا. الأمر الأساس الذي أود إقراره هو أن ما يصدق بخصوص التحديات الارتيابية لا يتعارض بأية طريقة مع اليقينية، والموضوعية، والكلية.
تتعين إحدى المشاكل التي تصادفنا، إبان محاولتنا التصالح مع نمو المعرفة الهائل، في رؤية كيف يمكن لكل هذه السمات أن تتواجد في وقت واحد. كيف يتسنى للمعرفة أن تكون في آن يقينية، وتكون على ذلك مؤقتة وقابلة للتعديل؛ أنى لها أن تكون موضوعية كلية وتظل دائما من منظور ذاتي أو آخر؛ وكيف تكون كلية بشكل مطلق وتكون على ذلك نتاج شروط وظروف محلية؟ دعونا نناقش كل هذه السمات بالترتيب. مأتى اليقينية المعنية هنا حقيقة أن الشواهد التي تعزز المزاعم المقصودة قوية، وأن المزاعم نفسها مدمجة في فئة منتظمة من المزاعم المترابطة، تحصل بدورها على دعم شواهد قوية، إلى حد يجعل الارتياب في صدقها مسلكا لاعقلانيا. من غير الوجيه في الوقت الراهن الشك في أن القلب يضخ الدم، أن الأرض جرم تابع للشمس، أو أن الماء يتكون من هيدروجين وأكسجين. فضلا عن ذلك، كل من هذه المعارف مدمجة في نظريات فعالة، نظريات في فسيولوجيا الإنسان والحيوان، نظرية المركزية الشمسية في نظام الكواكب والنظرية المادية في الذرة. غير أنه بالإمكان في الوقت نفسه أن تحدث ثورة علمية تتخلى عن هذه السبل الكلية في التفكير في الأشياء، أن تحدث ثورة تشبه السبيل التي استوعبت عبرها الثورة الأينشتينية الميكانيكا النيوتونية بوصفها حالة خاصة. لا شيء في أية مرحلة من مراحل المعرفة، مهما كانت يقينية، يحول دون قيام ثورات علمية في المستقبل. على العكس تماما، يتوجب علينا أن نعترف باليقينية دون التغاضي في الوقت نفسه عن إمكان حدوث تغيرات جذرية في نظرياتنا.
بودي توكيد هذا الأمر: ثمة رصيد هائل من المعرفة اليقينية. إنك تعثر عليها في محلات بيع الكتب التدريسية في الجامعات، في كتب الهندسة والبيولوجيا على سبيل المثال. المعنى الذي نعرف وفقه على نحو يقيني أن القلب يضخ الدم، أو أن الأرض جرم تابع للشمس، هو أنه في ضوء الحشد الهائل من المبررات التي تدعم هذه المزاعم، من غير الوجيه أن نرتاب فيها. بيد أن اليقينية لا تستلزم عدم القابلية للتعديل. إنها لا تستلزم أننا لا نستطيع تصور الظروف التي تستدعي التخلي عن تلك المزاعم. ثمة خطأ تقليدي، أحاول تنكبه، يتعين في افتراض أن اليقينية تستلزم عدم القابلية للتعديل وفق أي اكتشاف مستقبلي. لقد تنشأنا على الاعتقاد بأن اليقين مستحيل لأن المزاعم المعرفية مؤقتة دائما وقابلة للتعديل المستقبلي. لكن هذا خطأ. اليقينية لا تتعارض مع المؤقيتة والقابلية للتعديل. لا ريب أننا نعرف الكثير من الأشياء بيقين، رغم أنها قابلة لأن تعدل وفق اكتشافات جديدة.
يفضي بنا هذا إلى توليفة من السمات: كيف يتسنى للمعرفة أن تكون في آن موضوعية بشكل تام ومع ذلك منظورية، تقرّ وتقوّم دوما من منظور أو آخر؟ أن تقول إن الزعم المعرفي موضوعي ابستمولوجيا، أن تقول إنه بالمقدور إثبات صدقه أو بطلانه على نحو مستقل عن مشاعر، ميول، محاباة، تفضيلات، والتزامات الباحثين. هكذا، حين أقول "إن الماء مكون من جزيئي هيدروجين وجزيء أكسجين"، فإن هذا الزعم موضوعي بشكل تام. إذا قلت "إن مذاق الماء أفضل من مذاق النبيذ" ـ فهذا زعم ذاتي. إنه مسألة رأي. تتميز المزاعم المعرفية من النوع الذي ناقشت بأنه عندما أقول إن مثل هذه المعرفة تنمو بشكل تراكمي، فإن المعرفة المعنية تعد بهذا المعنى موضوعية ابستمولوجيا. غير أن هذه الموضوعية لا تحول دون المنظورية. المزاعم المعرفية منظورية بالمعنى الواضح الذي تعوزه الأهمية والذي تعد وفقه كل المزاعم منظورية. كل التمثيلات تنجز من منظور بعينه، من وجهة نظر ما. لذا، حين أقول "إن الماء مكون من جزيئي هيدروجين وجزيء أكسجين"، فإن هذا وصف يتم على مستوى البنية الذرية. وفق مستوى وصفي آخر، مستوى الفيزياء دون_الذرية مثلا، قد نرغب في إقرار أن الماء يتكون من كواركات، ميونات، وجسيمات دون_ذرية متعددة أخرى. مفاد نقاشنا هذا أن حقيقة أن كل المزاعم منظورية لا تحول دون الموضوعية الابستمولوجية.
بودي إقرار هذا الأمر بصيغة توكيدية: كل تمثيلات الواقع، أكان إنسانيا أو خلاف ذلك، ومن ثم كل معرفة بالواقع، إنما تتم من وجهة نظر ما، وفق منظور بعينه. غير أن خاصية المنظورية التي تختص بها التمثيلات لا تستلزم توقف المزاعم المعرفية المعنية على تفضيلات، ميول، أهواء، أو نزوعات الملاحظين. إن سمة المنظورية التي تختص بها المعرفة والتمثيل لا تهدد بحال تحقق الموضوعية.
وأخيرا، المزاعم المعرفية من النوع الذي أتحدث عنه، حيث نصدر مزاعم عن طريقة سير العالم، مزاعم كلية. ما يصدق في فالديفستوك يصدق أيضا في بريتوريا، كما يصدق في باريس وبركلي. غير أن حقيقة أننا قادرون على صياغة، واختبار، والتحقق، وإثبات مثل هذه المزاعم بوصفها مزاعم يقينية، كلية، وموضوعية، إنما يشترط وسيلة اجتماعية_ثقافية غاية في الخصوصية. إنها تتطلب بحاثا مدربين، وتوفر الظروف الاجتماعية الثقافية الضرورية لوجود مثل هذا التدريب والبحث. لقد بلغت هذه الظروف أوج عنفوانها في أوربا الغربية وفي فروعها الثقافية في أجزاء أخرى من العالم، خصوصا أمريكا الشمالية، خلال القرون الأربعة الأخيرة. ثمة معنى لا ضرر منه ولا أهمية له تعد المعرفة وفقه مشكّلة اجتماعيا. بهذا المعنى يتم التعبير عن المعرفة عبر إقرارات، أي مزاعم؛ ومحتم علينا أن نقوم بصياغة، وصورنة، واختبار، والتحقق، وفحص، وإعادة فحص مثل هذه المزاعم. اقتدارنا على القيام بكل هذا إنما يتطلب بنية اجتماعية_ثقافية غاية في الخصوصية، وبهذا المعنى، فإن مزاعمنا المعرفية مشكّلة اجتماعيا. غير أن هذا الضرب من التشكيل الاجتماعي لا يتعارض بحال مع حقيقة أن المعرفة التي نخلص إليها على هذا النحو كلية، وموضوعية، ويقينية.
بودي توكيد هذا الأمر الثالث كما فعلت مع الأمرين الأولين: المزاعم المعرفية إنما تصدر وتختبر ويتحقق منها من قبل أفراد يعملون في سياق تاريخي وقبالة خلفية تتشكل من ممارسات ثقافية بعينها. بهذا المعنى، كل المزاعم المعرفية مشكلّة اجتماعيا. غير أن صحة هذه المزاعم المعرفية ليست مشكّلة اجتماعيا. الصحة مسألة مطابقة بين حقائق موضوعية في العالم ومزاعمنا المعرفية.
اعتبرت حتى الآن ثلاثة اعتراضات موجهة ضد رؤية الفهم المشترك التي تقر أن لدينا رصيدا هائلا من المعرفة اليقينية، والموضوعية، والكلية. أولا، المعرفة دائما مؤقتة وقابلة للتعديل. ثانيا، فإنها تقر دوما من وجهة نظر ما. ثالثا، يتم الوصول إليها عبر جهود إنسانية متضافرة تبذل في سياقات اجتماعية بعينها مموضعة تاريخيا. الأمر الأساسي الذي أقره هو أنه لا تعارض بين هذه الأحكام والزعم بأن المعرفة التي يتم الخلاص إليها على هذا النحو يقينية، وموضوعية، وكلية.
إذا كانت "الحداثة" تشير إلى حقبة العقلانية والتفكير المنتظمة التي بدأت في عصر النهضة وبلغ أوج التعبير الواعي عنها في التنوير الأوربي، فإننا لسنا في عهد ما بعد الحداثة. على العكس تماما، فالحداثة بدأت لتوها. على ذلك، أعتقد أننا في عهد ما بعد الارتيابي أو ما بعد الابستيمي. إنك لن تفهم ما يحدث في حياتنا الفكرية إذا لم تلحظ النمو المتسارع للمعرفة بوصفه الحقيقة الفكرية المركزية. المفكر ما بعد الحداثي الذي يشتري تذكرة سفر بالطائرة عبر شبكة المعلومات، يستقل الطائرة، يعمل على حاسوبه المحمول إبان رحلتها، ينزل منها ليستقل عربة أجرة متوجها إلى قاعة المحاضرات، ثم يلقي محاضرة ينكر فيها بطريقة أو أخرى وجود معرفة يقينية، ويفصح عن ارتيابه في الموضوعية، ثم يقر أن كل مزاعم الصدق والمعرفة مجرد غنائم نفوذ مقنّعة، إنما يسلك بطريقة منافية للعقل.
II. عهد ما بعد الارتيابي
على افتراض أنني محق فيما أقول بخصوص سمات المعرفة تلك وبخصوص حقيقة أن المعرفة تواصل نموها، لنا أن نتساءل عن متربتات ذلك على الفلسفة. كيف تبدو الفلسفة في عهد ما بعد الابستيمي أو ما بعد الارتيابي؟ يبدو لي أنه أصبح الآن ممكنا إنجاز فلسفة نظرية منتظمة بطريقة كانت تعد بوجه عام منذ نصف قرن مستحيلة. وعلى نحو مفارق، من بين أعظم إسهامات فتجنشتين في الفلسفة إسهام ما كان له إلا أن ينكره. إنه بحمله الارتيابية محمل الجد ومحاولة التغلب عليها، مهد الطريق لنوع من التفلسف النظري والمنتظم كان أبغضه وحسبه مستحيلا. الحال أن ما يجعلنا قادرين على الشروع في تأدية مهمة التنظير الشمولي أننا لم نعد مشغولين بالمفارقات الابستمولوجية التقليدية وبمترتباتها على وجود اللغة، المعنى، الصدق ،المعرفة، الموضوعية، اليقينية، والكلية.
يناظر هذا الموقف بطريقة ما ما حدث في اليونان بعد التحول من فلسفة سقراط وأفلاطون إلى فلسفة أرسطو. لقد أخذ سقراط وأفلاطون الارتيابية مأخذ الجد؛ أما أرسطو فقد كان منظّرا منظوميا.
عبر إمكان تطوير نظريات فلسفية كلية، وضعف حدة الاهتمام بالانشغالات الارتيابية، تخلصت الفلسفة من كثير من عزلتهاعن التخصصات الأخرى. هكذا غدا أفضل فلاسفة العلم مثلا على ألفة بأحدث الأبحاث لا تقل عن ألفة المتخصصين في تلك العلوم.
ثمة عدد من المواضيع التي أستطيع نقاشها فيما يتعلق بمستقبل الفلسفة، غير أنني سوف أقتصر بغية الإيجاز على ستة مواضيع.
1. إشكالية العقل_الجسم التقليدية
أبدأ بإشكالية العقل_الجسم التقليدية، لأنني أعتقد أنها الإشكالية الفلسفية المعاصرة الأكثر طواعية لتضافر جهود العلماء والفلاسفة. ثمة صياغات مختلفة لهذه الإشكالية، غير أن الصياغة الأكثر عرضة للنقاش في الوقت الحالي هي التالية: ما علاقة الوعي بالدماغ على وجه الضبط؟ يبدو لي أن العلوم العصبية قد تطورت إلى حد يمكّن من تناول هذه الإشكالية بوصفها إشكالية عصب_حيوية، بل إن العديد من علماء بيولوجيا الأعصاب إنما يقومون بذلك. في أبسط صوره، السؤال كيف تسبب العمليات الحيوية_العصبية في الدماغ أوضاعا وعمليات واعية، وكيف تتعين تلك الأوضاع والعمليات الواعية في الدماغ؟ وفق هذه الصياغة، تبدو هذه إشكالية علمية امبيريقية. إنها تبدو مثلا شبيهة بالمشاكل: "كيف تسبب العمليات الكيمياء_حيوية على مستوى الخلايا الإصابة بمرض السرطان؟"، و" كيف تنتج البنية الوراثية للاقحة السمات الكائن العضوي الناضج المظهرية؟"
على ذلك، ثمة عدد من العوائق الفلسفية الصرفة التي تعرقل الحصول على حل عصب_حيوي لإشكالية الوعي، ولزام علي أن أمضي بعض الوقت في التخلص من بعض أسوء تلك العوائق.
يتعين أهم عائق مفرد يعرقل الحصول على حل لإشكالية العقل_الجسم التقليدية في تلبث طائفة من التصنيفات التقليدية التي عفا عليها الزمن: العقل والجسم، المادة والروح، الذهني والفيزيقي. طالما استمررنا في الحديث والتفكير كما لو أن الذهني والفيزيقي مجالين ميتافيزيقيين منفصلين، سوف تظل علاقة الدماغ بالوعي غامضة إلى الأبد، ولن نظفر بتفسير مرض لعلاقة الأطراف العصبية بالوعي. الخطوة الأولى شطر إحراز تطور فلسفي وعلمي في هذين المجالين إنما تتعين في التغاضي عن الثنائية الديكارتية التقليدية وتذكر أن الظواهر الذهنية ظواهر بيولوجية عادية لا تختلف عن التمثيل الضوئي أو عملية الهضم. يتوجب علينا أن نتوقف عن الانشغال بكيف يمكن للدماغ أن يسبب الوعي وأن نبدأ بحقيقة أنه يقوم فعلا بذلك. ثمة حاجة إلى التخلي عن مفهومي الذهني والفيزيقي كما كانا يفهمان تقليديا حين نصالح أنفسنا مع حقيقة أننا نعيش في عالم واحد، وأن كل جوانب العالم، بدءا من الكواركات والإلكترونات وانتهاء بمشاكل حكومات الشعوب وميزانية المدفوعات، تشكل كل بطريقتها أجزاء عالم واحد. إن عجبي لا ينقضي من أن التنصيفات التي عفا عليها الزمن والخاصة بالعقل والمادة تظل تعرقل مضينا قدما. يشعر كثير من العلماء أنهم لا يستطيعون سوى تقصي المجال "الفيزيقي". هكذا تراهم يتنكبون الوعي بذاته لكونه "ذهنيا" ولا يبدو "فيزيقيا". أيضا فإن العديد من الفلاسفة يقولون باستحالة فهم علاقات العقل بالدماغ عند البشر. وتماما كما أحدث أينشتين تغييرا مفهوميا بغية تقويض مفهومي الزمان والمكان القديمين، ثمة حاجة إلى تغيير مفهومي مشابه يقوض مثنوية الذهني والميتافيزيقي.
تتعلق الصعوبة الناجمة عن قبول التصنيفات التقليدية بأغلوطة منطقية مباشرة يلزمني فضحها. الوعي ذاتي بالتعريف، بمعنى أن وجود حالة وعي تقتضي احتيازه من قبل ذات واعية. بهذا المعنى، للوعي أنطولوجيا_ذات [أو أنطولوجيا _المتكلم]، إذ أنه لا يوجد إلا من منظور ذات بشرية أو حيوانية، أي "أنا" تحوز الخبرة الواعية. لم يدأب العلم على التعامل مع ظواهر أنطولوجيا المتكلم. تقليديا، يتعامل العلم مع ظواهر "موضوعية" ويتجنب كل ما هو "ذاتي". الحال أن كثيرا من الفلاسفة والعلماء يشعرون بأن كون العلم موضوعيا بالتعريف إنما يستلزم عدم وجود شيء اسمه علم الوعي، كون الوعي ذاتيا. غير أن هذه الحجة برمتها مؤسسة على خلط شامل، هو من أكثر الأخلاط تلبثا في حضارتنا الفكرية. ثمة معنيان متمايزان تماما للتميير بين الموضوعي والذاتي. وفق أولهما، الذي أسميه بالمعنى الابستيمي للتمييز بين الموضوعي والذاتي، هناك تمييز بين المعرفة الموضوعية ومسائل الرأي الذاتية. إذا قلت مثلا "إن رمبراندت ولد عام 1906"، فإن إقراري هذا موضوعي ابستيميا، بمعنى أنه بالمقدور تحديد قيمته الصدقية بشكل مستقل عن ميول، أو مشاعر، أو آراء، أو أهواء القائمين بفعل التقصي المعني. أما إذا قلت "إن رمبراندت كان رساما أفضل من روبنز"، فإن زعمي هذا لا يشكل معرفة موضوعية، بل مسألة رأي ذاتي. وفضلا عن التميز بين المزاعم الموضوعية ابستيميا والمزاعم الذاتية ابستيميا، هناك تمييز بين كينونات العالم ذات الوجود الموضوعي، كالجبال والجزيئات، وكينوناته ذات الوجود الذاتي، كالألم والدغدغة. إنني أسمي هذا التمييز الخاص بأساليب الوجود بالمعنى الأنطولوجي للتمييز بين الموضوعي والذاتي.
الحال أن العلم موضوعي ابستيميا، بمعنى أن العلماء يحاولون تكريس حقائق يمكن التحقق منها بشكل مستقل عن ميولهم وأهوائهم. غير أن موضوعية المنهج الابستيمية لا تعني أن المسائل المناقشة ليست ذاتية أنطولوجيا. وفق هذا، ليس هناك من حيث المبدأ اعتراض ضد وجود علم موضوعي ابستيميا يتقصى مجالا ذاتيا أنطولوجيا، كمجال الوعي البشري.
ثمة صعوبات أخرى يواجهها علم الذاتية تتعين في التحقق من المزاعم الخاصة بالوعي البشري والحيواني. في حالة البشر، ما لم نقم بالتجريب على أنفسنا بشكل فردي، دليلنا الدامغ الوحدي على وجود الوعي وطبيعتة هو ما يقوله الشخص المعني ويقوم به. غير أن الأشخاص يشتهرون بعدم جدارتهم بالثقة. في حالة الحيوانات، الوضع أسوأ، إذ يتوجب علينا التعويل على سلوك الحيوان حين يستجيب لمؤثرات. إننا لا نستطيع الحصول على أي إقرارات من الحيوان تتعلق بحالاته الواعية. أعتقد أن هذه صعوبة حقيقية، غير أنني أشير إلى أنها لا تختلف من حيث النوع عن الصعوبات التي نواجه في أشكال أخرى من البحث العلمي، حيث يتعين علينا الركون إلى وسائل غير مباشرة للتحقق من مزاعمنا. ليست لدينا وسيلة لملاحظة الثقوب السوداء، بل إننا لو تحرينا الدقة لقلنا إنه ليست لدينا وسيلة لملاحظة الجسيمات الذرية ودون_الذرية بشكل مباشر. على ذلك، فقد قمنا بتكريس تصورات علمية في هذه المجالات، كما أن المناهج التي نستخدمها في التحقق من فروض هذه المجالات تؤمن لنا نموذجا للتحقق من فروض مجال دراسة الذاتية البشرية والحيوانية. إن "خصوصية" الوعي البشري والحيواني لا تحول دون قيام علم للوعي. في حالة "علم المناهج"، للمسائل المنهجية في العلوم الحقيقية الإجابة نفسها: كي تكتشف كيف يسير العالم، عليك أن تستخدم كل سلاح تعثر عليه، وأن تتشبث بالسلاح الذي يبدو فعالا.
وفق هذا، وعلى افتراض أن مسألة الذاتية والموضوعية لا تشغلنا، وأننا مستعدون للبحث عن مناهج غير مباشرة للتحقق من فروض الوعي، كيف يتوجب علينا العمل؟ تبدو معظم الأبحاث العلمية التي تجرى اليوم على مسألة الوعي مؤسسة على خطأ. يتبنى العلماء المعنيون ما أسميه نظرية الكتل في الوعي، وهم يجرون أبحاثهم تأسيسا عليها. وفق هذه النظرية، يتوجب علينا أن نعتبر مجال الوعي مكونا من كتل مختلفة، كالخبرة البصرية، الخبرة السمعية، الخبرة اللمسية، تيار الفكر، الخ. من هذا المنظور، تتعين مهمة النظرية العلمية في الوعي في العثور على الملازم العصب_حيوي للوعي، وإذا وجدنا ملازما من هذا القبيل لرؤية اللون الأحمر، فمن المرجح أن ينبئنا ذلك عن كتل الوسائل الحسية الأخرى وتيار الفكر. قد يستبان في النهاية أن هذا البرنامج البحثي صحيح، لكنه يبدو لي موضع شك بوصفه طريقة عمل في الموقف الراهن، وذلك للسبب التالي. لقد قلت إن ماهية الوعي هي الذاتية. هناك شعور نوعي ذاتي بعينه يصاحب كل حالة وعي. من بين سمات الذاتية، وهي سمة ضرورية، أن حالات الوعي تنتابنا بشكل موحد. إننا لا ندرك لون الشي، أو شكله أو صورته فحسب، بل ندرك كل ذلك دفعة واحدة بشكل متزامن في خبرة واعية موحدة. ذاتية الوعي تستلزم الوحدة. الحال أنهما ليستا سمتين منعزلتين، بل وجهان للسمة نفسها.
لهذا السبب، فإن الملازم العصب_حيوي الذي نبحث عنه ليس الملازم العصب_حيوي لمختلف كتل اللون، والصوت، الخ، بل ما أسميه مجال الوعي الخلفي، الذي يشكل افتراض الاحتياز أصلا على أية خبرة واعية. المسألة الحاسمة ليست مثلا "كيف ينتج الدماغ خبرة الأحمر الواعية؟"، بل "كيف ينتج الدماغ مجال الوعي الموحد الذاتي؟". يجب أن نعتبر الإدراك الحسي لا على أنه يخلق الوعي، بل على أنه يعدل مجالا واعيا موجودا أصلا. يجب ألا نعتبر مجال وعي الحاضر مكونا من مختلف الكتل، بل مجالا موحدا، يتم تعديله بطرق بعينها عبر مختلف المؤثرات التي أستقبلها أو يستقبلها أي كائن بشري آخر. ولأن لدينا أدلة قوية من دراسات أجريت على حالات اختلال ذهنية تفيد بأن الوعي ليس موزعا على الدماغ بأسره، ولأن لدينا أيضا أدلة قوية على أن الوعي موجود في كل من نصفي الدماغ، أعتقد أن ما يتوجب علينا البحث فيه الآن هو نوع العمليات العصب_حيوية التي تنتج مجال وعي موحد. أعتقد أن هذه سوف تشكل أهم أجزاء الجهاز العصبي بقشرة الدماغ. مفاد فرضي إذن هو أن البحث عن مكونات الملازمات العصب_حيوية يخطئ بيت القصيد، وأنه يتوجب علينا البحث عوضا عن ذلك عن ملازمات مجال الوعي الموحد في سمات الدماغ الأكثر كلية، من قبيل نماذج فروع الأعصاب المتواقتة في الجهاز العصبي بقشرة الدماغ.[1]
· هذه المقالة تنقيح لمقالة “The Future of Philosophy” التي كتبت لمجلة علمية ولم يكن الجمهور الفلسفي متلقيها المقصود، وقد نشرت في العدد الألفي الخاص من:
Philosophical Transactions of the Royal Society series B,
إنني مدين لجادمر سيرل في نقاش كل هذه المسائل.
[1] ناقشت هذه المسائل بعرض أكثر تفصيلا في مقالتي:
“Consciousness”, The Annual Review of Neuroscience 23 (2000): 557-578.
رابط المقال : http://afaitouri.maktoobblog.com/








